سيد محمد طنطاوي
10
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أحد : حتى يسلكوا في مستقبل حياتهم السبيل التي توصلهم إلى الظفر ، ويهجروا الطريق التي تقودهم إلى الفشل . ثم وجهت السورة نداء إلى المؤمنين نهتهم فيه عن التعامل بالربا ، وحثتهم على المسارعة إلى الأعمال الصالحة التي توصلهم إلى رضوان اللَّه ، لأنه إذا كان أعداؤهم يجمعون المال من كل طريق لحربهم ، فعليهم هم أن يتحروا الحلال في جمعهم للمال ، وأن يتبعوا الوسائل الشريفة التي تبلغهم إلى غايتهم النبيلة ، ثم حضتهم على الاعتبار بسنن اللَّه في خلقه ، وأمرتهم بالتجلد والصبر ، ونهتهم عن الوهن والضعف ، وبشرتهم بأنهم هم الأعلون ، وشجعتهم على مواصلة الجهاد في سبيل اللَّه فإن العاقبة لهم ، وأخبرتهم بأن ما أصابهم من آلام وجراح في أحد ، قد أصيب أعداؤهم بمثلها ، وأن الأيام دول ، وأن هزيمتهم في أحد من ثمارها أنها ميزت قوى الإيمان من ضعيفه ، لأن المصائب كثيرا ما تكشف عن معادن النفوس ، وخفايا الصدور . قال - تعالى - قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ . هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وهُدىً ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ . ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُه ، وتِلْكَ الأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ، ولِيَعْلَمَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ واللَّه لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ . ولِيُمَحِّصَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الْكافِرِينَ . ثم بينت السورة الكريمة أن الآجال بيد اللَّه وحده ، وأن محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم رسول قد خلت من قبله الرسل ، وسيدركه الموت كما أدركهم . وأن الأخيار من أتباع الرسل السابقين كانوا يقاتلون معهم بثبات وصبر من أجل إعلاء كلمة اللَّه . . فعلى المؤمنين في كل زمان ومكان أن يقدموا على الجهاد في سبيل اللَّه بعزيمة صادقة ، وبنفوس مخلصة لأن الإقدام لا ينقص شيئا من الحياة ، كما أن الإحجام لا يؤخرها ، وما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه كِتاباً مُؤَجَّلًا . ثم حذرت السورة الكريمة المؤمنين من طاعة الكافرين لأن طاعتهم تفضى بهم إلى الخسران ، وبشرتهم بأن اللَّه - تعالى - سيلقى الرعب في قلوب أعدائهم ، وأخبرتهم بأنه - سبحانه - قد صدق وعده معهم ، حيث مكنهم في أول معركة أحد من الانتصار على خصومهم وأنهم - أي المؤمنين - ما أصيبوا بما أصيبوا به في أحد إلا بسبب فشلهم وتنازعهم وتطلعهم إلى الغنائم ، ومخالفتهم لوصايا رسولهم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . قال - تعالى - ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّه وَعْدَه إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِه ، حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ ، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ، ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ، ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ ، واللَّه ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ .